الصورة: رئيس تحرير موقع ويكيليكس
السبت 28 أغسطس 2010
قاسم حسين - الوسط البحرينية
حين تفجّرت مطلع هذا الشهر فضيحة الوثائق الأميركية السريّة، كان المتوقع توجيه ضربة إلى موقع «ويكيليكس» الذي سرّبها، فالقضية كانت مسألة وقت ليس إلا. تسريب هذه الوثائق أربك الإدارة الأميركية، فجاءت تصريحات أقطابها متخبطة، فالرئيس أوباما حاول التقليل من شأنها، بينما اعتبرها وزير دفاعه غيتس تهديداً خطيراً للجيش الأميركي. كما شكّلت إحراجاً لحلفائها في أفغانستان وباكستان، لكشفها خبايا وأسراراً صدر أغلبها من السفارات الأميركية التي جمعت بعضها من الجواسيس.
الجيش الأميركي هاجم مدير الموقع جوليان أسانج بطريقة فيها الكثير من التخويف والإرهاب، بتحميله المسئولية عن سفك دماء جنوده الشبان والعائلات الأفغانية معاً! وأعقب التخويف حملة تهديدات لردعه عن نشر بقية الوثائق (15 ألف وثيقة أخرى)، وحين حاول الالتقاء بالجيش الأميركي في منتصف الطريق، للاتفاق على تجنّب نشر ما يمكن أن يهدّد حياة جنوده، رفض الجيش الاستجابة له، ما اضطره أخيراً لنشرها.
«الحرب على الإرهاب» التي أثارت فزعاً عالمياً لعدة سنوات، وضع قواعدها الرئيس الأميركي المتطرف جورج بوش الابن، ومازالت قواعدها تتحكم في مصير الكثير من الدول. ففي هذه الحرب «إما معي وإما ضدي»، ومن يحاول أن يحتفظ بموقفه وعقله واستقلاله، وسط كل ذلك الهياج، سيكون خائناً للوطن. وقد وصلت هذه السياسة إلى طريق مسدود، وأثبتت عقمها وكلفتها الفادحة بشرياً ومادياً واقتصادياً. فأنت لا يمكن أن تجبر شعباً كاملاً بمختلف شرائحه وانتماءاته ومصالحه على اتخاذ موقفٍ واحدٍ موحّد، وخصوصاً في القضايا الخلافية الفاقعة، فهذا خلاف المنطق والطبيعة وسياسة الأمور.
في مطلع هذا الأسبوع، دخلت الحرب مرحلةً جديدةً، حين أصدر الادعاء السويدي مذكرة اعتقال بحق اسانج لاتهامه بالاغتصاب! والمفارقة انها «حربٌ» بين أكبر امبراطورية معاصرة، صاحبة أكبر جيش وأضخم حاملات طائرات تجوب المحيطات... وبين «مدوّن» في الثلاثينيات من عمره، كل عدّته جهاز «لابتوب» يحمله في حضنه، ويدير به موقعاً الكترونياً على شبكة الانترنت، كرّسه لمكافحة الفساد. وكان أكبر أخطائه أنه اصطدم بهذه القوة الهائلة المتسلّحة بأجهزة إعلامٍ منحازٍ وغير نزيه، في بلدٍ يدعي الديمقراطية وتعددية الآراء.
اسانج لمّح في تصريحاته الأحد الماضي, إلى احتمال تورّط وزارة الدفاع الأميركية بتوجيه تهم الاغتصاب والاعتداء ضده. وقد عادت به الذاكرة للتحذيرات التي سبق أن تلقّاها، من احتمال أن تستخدم الأجهزة الأميركية حيلاً قذرة لتدمير الموقع وتشويه سمعته، وخصوصاً من جهة اتهامه بـ «فضائح جنسية». وهو ما تمّ فعلاً، إذ تولت صحيفةٌ رخيصةٌ معروفةٌ بتوجهاتها اليمينية المتطرفة، تهيئة الجو وفبركة التهم للاطاحة نهائياً بالرجل ومعاونيه، بعد أن أخذت المخابرات الأميركية تطاردهم في الأسابيع الأخيرة.
أسانج الذي ظل مستغرباً من توجيه هذه التهم، اعتبرها مؤامرة ضد موقعه الالكتروني، «فقد قيل لنا أن نتوقّع ضربات تحت الحزام، وها نحن نتلقى الضربة الأولى»! وعليه صدرت مذكرة اعتقال بعد ادعاء امرأتين مجهولتين أنهما مارستا الجنس بالتراضي مع اسانج، ثم تمّ تحوير الحالتين إلى «اغتصاب» و «تحرّش جنسي»! ولأن التهمة واهية وتفضح أصحابها وتثير المزيد من الشبهات، تم إسقاطها بعد ستّ ساعاتٍ فقط!
في عالمٍ فاسدٍ يحكمه المال والقوة، ويلعب فيه الإعلام المرتشي دور ناشر الحرائق، نكون أمام نسخةٍ أخرى سويدية لمسلسل «شهود الزور» الذي تابعناه منذ أربع سنوات في لبنان الشقيق.